عبد الرحمن بدوي

مقدمة 62

أرسطو عند العرب

( المتوفى سنة 689 ه - سنة 1290 م ) : « وذكر الشيخ ( - ابن سينا ) في « الشفاء » أن هذين الشكلين ، أي الثاني والثالث ، وإن كانا يرجعان إلى الشكل الأول ، فلهما خاصية : وهي أن الطبيعي والسابق إلى الذهن في بعض المقدمات أن يكون أحد طرفيها موضوعا على التعيين ، والطرف الآخر محمولا ؛ حتى لو عكس كان غير طبيعي وغير سابق إلى الذهن . . . فإذا ألّفت المقدمات على وجه يراعى فيها الحمل الطبيعي والسابق إلى الذهن أمكن أن لا ينتظم على نهج الشكل الأول ، بل على أحد هذين الشكلين : أي الثاني والثالث ، فلا يكون عنهما غنية . وهذا بعينه يعرفنا الشكل الرابع لجواز أن لا تنتظم المقدمات على وجه يراعى فيها الأمر الطبيعي أو السابق إلى الذهن إلا عليه . وهاهنا فائدة أخرى . وهي أن بعض ضروب الأشكال الثلاثة لا يرتد إلى الشكل الأول ، فنحسّ الحاجة إليها عند استحصال المجهولات المتعلقة بها . وقال ( أي ابن سينا ) في « الإشارات » : كما أن الشكل الأول وجد كاملا فاضلا جدا بحيث تكون قياسته ضرورية النتيجة بيّنة بنفسها لا يحتاج إلى حجّة ، كذلك وجد الذي هو عكسه ( أي الشكل الرابع ) بعيدا عن الطبع يحتاج في إبانة قياسته إلى كلفة شاقة متضاعفة ، ولا يكاد يسبق إلى الذهن والطبع قياسيته ؛ ووجد الشكلان الآخران - وإن لم يكونا بيّنى القياسية - قريبين من الطبع ، يكاد الطبع الصحيح يفطن لقياسيتهما قبل أن يبين ذلك ، أو يكاد بيان ذلك يسبق إلى الذهن من نفسه فيلحظ كمية قياسيته عن قريب . فلهذا صار لهما قبول ، ولعكس الأول ( أي الرابع ) اطّراح ، وصارت الأشكال الاقترانية الحملية الملتفت إليها ثلاثة . وهو كلام جيد » « 1 » . وفي هذا عرض أيضا لمدى معرفة العرب بعملية الردّ ، وذلك في قوله : « إن بعض ضروب الأشكال الثلاثة لا يرتد إلى الشكل الأول » . ومن هنا كانت أهمية مقالة ثامسطيوس هذه ، فهي تدلنا على طريق نفوذ هذه المشكلة المنطقية إلى العالم العربي ، وإلى أىّ مدى كانوا على علم بما أثير حولها خصوصا في العصر اليوناني المتأخر ، وإلى أىّ مدى كان ينتظر منهم أن يتوسعوا فيه كما فعل رجال العصر الاسكلائى في الغرب في العصر نفسه . اللهم إلا إذا كشفت المخطوطات الجديدة في المنطق العربي -

--> ( 1 ) « لوامع الأسرار شرح مطامع الأنوار » ، للقطب الرازي التحتاني ، ص 188 - ص 189 ، طبع استانبول سنة 1277 ه - سنة 1860 م .